الشوكاني

11

فتح القدير

إبطال دينكم وأن يردوكم إلى دينهم كما كانوا يزعمون ( فلا تخشوهم ) أي لا تخافوا منهم أن يغلبوكم أو يبطلوا دينكم ( واخشون ) فأنا القادر على كل شئ إن نصرتكم فلا غالب لكم ، وإن خذلتكم لم يستطع غيري أن ينصركم . قوله ( اليوم أكملت لكم دينكم ) جعلته كاملا غير محتاج إلى إكمال لظهوره على الأديان كلها وغلبته لها ولكمال أحكامه التي يحتاج المسلمون إليها من الحلال والحرام والمشتبه ، ووفي ما تضمنه الكتاب والسنة من ذلك ، ولا يخفى ما يستفاد من تقديم قوله ( لكم ) . قال الجمهور المراد بالإكمال هنا : نزول معظم الفرائض والتحليل والتحريم . قالوا : وقد نزل بعد ذلك قرآن كثير كآية الربا وآية الكلالة ونحوهما . والمراد باليوم المذكور هنا هو يوم الجمعة ، وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر ، هكذا ثبت في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب ، وقيل إنها نزلت في يوم الحج الأكبر . قوله ( وأتممت عليكم نعمتي ) بإكمال الدين المشتمل على الأحكام وبفتح مكة وقهر الكفار وإياسهم عن الظهور عليكم كما وعدتكم بقولي ( ولأتم نعمتي عليكم ) . قوله ( ورضيت لكم الإسلام دينا ) أي أخبرتكم برضاي به لكم فإنه سبحانه لم يزل راضيا لأمة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالإسلام فلا يكون لاختصاص الرضا بهذا اليوم كثير فائدة إن حملناه على ظاهره ، ويحتمل أن يريد رضيت لكم الإسلام الذي أنتم عليه اليوم دينا باقيا إلى انقضاء أيام الدنيا . ودينا منتصب على التمييز ، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا . قوله ( فمن اضطر في مخمصة ) هذا متصل بذكر المحرمات وما بينهما اعتراض : أي من دعته الضرورة ( في مخمصة ) أي مجاعة إلى أكل الميتة وما بعدها من المحرمات . والخمص : ضمور البطن ، ورجل خميص وخمصان ، وامرأة خميصة وخمصانة ، ومنه أخمص القدم ، ويستعمل كثيرا في الجوع ، قال الأعشى : تبيتون في المشتاء ملأى بطونكم * وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا قوله ( غير متجانف ) الجنف : الميل ، والإثم : الحرام : أي حال كون المضطر في مخمصة غير مائل لإثم ، وهو بمعنى غير باغ ولا عاد ، وكل مائل فهو متجانف وجنف . وقرأ النخعي ويحيى بن وثاب والسلمي " متجنف " ( فإن الله غفور رحيم ) به لا يؤاخذه بما ألجأته إليه الضرورة في الجوع مع عدم ميله بأكل ما حرم عليه إلى الإثم بأن يكون باغيا على غيره أو متعديا لما دعت إليه الضرورة حسبما تقدم . وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه عن أبي أمامة قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله وأعرض عليهم شعائر الإسلام ، فبينما نحن كذلك إذ جاءوا بقصعة دم واجتمعوا عليها يأكلونها ، قالوا : هلم يا صدى فكل قلت : ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم ، لما أنزل الله عليه ، قالوا : وما ذاك ؟ قال : فتلوت عليهم هذه الآية ( حرمت عليكم الميتة ) وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ( وما أهل لغير الله به ) قال : وما أهل للطواغيت به ( والمنخنقة ) قال : التي تخنق فتموت ( والموقوذة ) قال : التي تضرب بالخشبة فتموت ( والمتردية ) قال : التي تتردى من الجبل فتموت ( والنطيحة ) قال : الشاة التي تنطح الشاة ( وما أكل السبع ) يقول : ما أخذ السبع ( إلا ما ذكيتم ) يقول : ذبحتم من ذلك ، وبه روح فكلوه ( وما ذبح على النصب ) قال : النصب أنصاب كانوا يذبحون ويهلون عليها ( وأن تستقسموا بالأزلام ) قال : هي القداح كانوا يستقسمون بها في الأمور ( ذلكم فسق ) يعني من أكل ذلك كله فهو فسق . وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : الرداة التي تتردى في البئر ، والمتردية التي تتردى من الجبل . وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله ( وأن تستقسموا بالأزلام ) قال : حصى بيض كانوا يضربون بها . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في الآية قال : كانوا إذا أرادوا أمرا أو سفرا